فخر الدين الرازي

92

شرح الفخر الرازى على الاشارات

ما قررناه وكان الميل المستديرة فيها موجودا فكانت مستديرة بالطبع وذلك باطل لأنها عندهم مستقيمة بالطبع والجسم الواحد لا يجتمع فيه الميل المستقيمة والمستديرة معا ولئن سلمنا ذلك لكن الفلك كما أن الآخر المفرضة فيه من المشرق إلى المغرب متساوية في الماهية فكذلك الاجزاء المفرضة من الشمال إلى الجنوب متساوية فلو لزم من البسائط صحة الحركة لزم أن يصح على الفلك أن يتحرك من الشمال إلى الجنوب بل يلزم أن يصح جميع الحركات المختلفة عليها وأن لا يكون بعضها أولى من بعض لان جميع الدوائر المفترضة فيه متساوية وكما صح في الجزء المعين أن يقوم مقام الجزء الآخر في سمته فكذلك يصح على سائر الأجزاء ذلك وإذا كانت تلك الحركات ممكنة لزمه أن يحصل فيها صور لا نهاية لها إلى جهات مختلفة ثم إنه ان لزم من وجود الميل وجود الحركة لا محالة لزم كون الفلك متحركا بالحركات المختلفة وهو محال وان لم يلزم ذلك لا يمكن الاستدلال بالميل على وجود الحركة فيها هذا جملة الكلام في هذا الموضع فان قيل لم يقيم الاستدلال بالميل على كون الفلك متحركا فهل في البحث عن سائل الميل فائدة أخرى قلنا نعم فانا نعرف بالدلالة العقلية وجوب اشهاء كل الحركات إلى حركة مستديرة سرمدية فإذا عرفنا أن الحركة لا توجد بدون الميل استدللنا بتلك الحركة المستديرة على وجوب ميل مستدير ثم تبين أن الميل المستدير والمستقيم لا يجتمعان ثم تبين أن كل ما يصح عليه الكون والفساد لا بد أن يكون فيه ميل مستقيم فبهذا الطريق نعرف أن الجسم الأول لا يصح عليه الكون والفساد ولنرجع إلى شرح المتن أما قوله الجسم المحدد للجهات ليس بعض أجزائه فالمراد منه ظاهر وقد عرفت أنه لا يمكن اثبات ذلك الا بعد بيان أنه غير مركب وقوله ليس بعض أجزائه التي تفرض إشارة إلى ذلك لأنه لو كان مركبا لكانت أجزاؤه غير فرضيته بل تكون حاصلة بالفعل سواء وجد الفرض أو لم يوجد وانما ذكر الوضع والمحاذاة ولم يقتصر على أحدهما لان الوضع هو هيئة للكل وقد علمت أن هذه الهيئة معلولة لنسبة أجزاء ذلك الكل إلى أمور خارجة عنه لكن نسبة أجزائه إلى الأمور الخارجة عنه هي المحاذاة ولما كان القول بجواز تبدل وضع الفلك مبنيا على جواز تبدل محاذاة أجزائه لا جرم عقب ذكر الوضع بذكر المحاذاة تنبيها منه على أن علة الجواز تبدل المحاذاة وأما قوله فلا يكون شيء من ذلك واجبا لشيء منها فتقرير ما مر في الفصل الذي قبل هذا الفصل من أن الجسم إذا وجد على حال غير واجبة فحصوله عليها من الأمور الامكانية وتقبل التبدل من طباعه وأما قوله فالميل في طباعه واجب فتقريره ما مر من أن كل جسم قابل للحركة ففيه ميل وأما قوله وذلك بحسب ما يجوز فيها من تبدل الوضع دون الوضع وذلك فالبحث عنه ما ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المطلوب الاستدلال بذلك على كون الفلك متحركا وأن لا يكون كذلك بل يكون اثبات هذا الميل فقط * المسألة السادسة * في كيفية الحركة المستديرة للفلك المحدد وفيه فصلان * ( تنبيه [ في معنى الوضع المتبدل ] أنت تعلم أن هذا التبدل الممكن ليس يكون بحسب حال الاجزاء بعضها عن بعض بل بحسب نسبه اما إلى شيء من خارج واما إلى شيء من داخل فإذا كان الجسم أو لا ليس مما يتحدد جهته ووضعه لمحدد من خارج محيط بقي أن يكون بحسب جسم من داخل ) التفسير قال رضى اللّه عنه لما بين أن المحدد يصح عليه تبدل الوضع على سبيل الاستدارة وقد عرفت أن الوضع هو الهيئة الحاصلة بسبب نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض وبسبب نسبة تلك الأجزاء إلى أمور خارجة عنها فإذا التبدل في الوضع لا بد وأن يكون بسبب الاجزاء في نفسها ولتبدل نسبها إلى الأمور الخارجة عنها لكن الأول محال لاستحالة الخرق على الفلك فتعين الثاني وذلك الجسم يستحيل أن يكون خارجا عن الفلك لأنه جسم خارجا عنه فبقى أن يكون ذلك الجسم فيه ( تنبيه [ في أن تبدل النسبة لا يجب عند المتحرك على الاطلاق ] وأنت تعلم أن تبدل النسبة عند المتحرك قد يكون عند المتحرك وقد يكون للساكن والمتحرك فيجب أن تكون عند الساكن ) الشرح كون الجسم